ابن أبي مخرمة

581

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

ومن الجوع طريح ، وكان صحبة السلطان جملة أحمال زبيب ودقيق ، فأشار بعض أصحابه أن يعطي الجند منه القوت ليتقوّوا به على معاودة الحرب ، فلم يفعل ، ثم خرج المصريون صبح الخميس ثاني الوقعة ، فكانت بينه وبينهم وقعة أشد من الأولى ، وقاتل في اليومين المذكورين بنفسه وولده أحمد ، وولد خاله الشيخ محمد بن أحمد بن عامر ، وخواص عبيده كفرحان وغيره ، ولم يثبت معه سواهم ، وأبلوا بلاء عظيما ، وأبانوا عن شجاعة لم يعهد مثلها ، ثم تخاذل بهم باقي العسكر ، فانكسروا في آخر ذلك اليوم والسلطان حينئذ في المعركة ، فلما رأى أن جنده منهزمين . . رجع إلى المحطة ليحميها ، فوجد العسكر المصري قد هجمها ونهبوا جميع ما فيها من الأموال والذخائر السلطانية ، فجمع باقي عسكره ، ورجع من حيث جاء ، ولم يلحقه أحد من المصريين لاشتغالهم بالغنائم ، وسار السلطان إلى تعز ، فدخلها سادس عشر شوال ، وأقام بها إلى أن طلع إليه المصريون في أوائل السنة الآتية ، ورجع المصريون إلى زبيد ، فدخلوها ليلة الجمعة حادي عشر شوال ظافرين غانمين ، وصاح برسباي بالأمان للناس عامة ولمن خرج إلى محطة السلطان من أهل زبيد وغيرهم ، وقرر أحوالهم ، ولم يغير على أحد منهم . وكان شيخنا القاضي شهاب الدين أحمد بن عمر المزجّد ارتاب من الوقفة عند الشيخ وعدم رجوعه مع الرسل ، فلما انقضت الوقعة . . عزم إلى وصاب ، فأرسل له برسباي بالأمان ، فرجع إلى زبيد « 1 » . * * * السنة الثالثة والعشرون كان السلطان قد عرف من عسكره عدم النصيحة ، فاستخدم جماعة من مهرة وأجزل عطيتهم ، فتغير عليه خاطر بقية العسكر حيث آثر المهرة عليهم وما المهرة فيهم إلا كالرقمة في ذراع الحمار ، فكانوا يتخاذلون . وخرج برسباي بالعسكر من زبيد إلى تعز وبها السلطان حينئذ ، فوصلوا تعز صبح الجمعة سادس عشر صفر ، فلما شاهدهم عسكر السلطان . . انهزم كل قبيلة منهم إلى بلدها ، ولم يبق مع السلطان إلا المهرة وخاصة عبيده ، فأرادوا القتال ، فمنعهم ، وولى عنهم إلى جهة

--> ( 1 ) « الفضل المزيد » ( ص 367 ) ، و « تاريخ الشحر » ( ص 117 ) .